ابن عجيبة
385
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : انفروا إلى جهاد أنفسكم وقطع علائقكم وعوائقكم ، لكي تستأهلوا لدخول حضرة ربكم ، وسافروا إلى من يعينكم ويقوى مدد أجناد أنواركم ، وهم المشايخ العارفون ، فسيروا إليهم خفافا وثقالا ، نشّاطا وكسّالا ، والغالب أن النفس يشق عليها ما يكون سببا في قتلها ، فلا ينفر إليها خفافا أول مرة إلا النادر . ثم أمر ببذل الأموال والمهج في طريق الوصول إلى حضرة اللّه ، وعاتب من تخلف عن ذلك وطلب الراحة والبقاء في وطن نفسه . قال القشيري : أمرهم بالقيام بحقه ، والبدار إلى أداء أمره على جميع أحوالهم ، خِفافاً أي : في حال حضور قلوبكم ، فلا يمسّكم نصب المجاهدات ، وَثِقالًا أي : إذا رددتم إليكم في مقاساة نصب المكابدات . فإنّ البيعة أخذت عليكم في المنشط والمكره . ه . ومثله عند الورتجبي عن أبي عثمان قال : خفافا وثقالا ؛ في وقت النشاط والكراهية ، فإن البيعة على هذا وقعت ، كما روى عن جرير بن عبد اللّه أنه قال : بايعنا رسول اللّه على المنشط والمكره . ه . ثم عاتب رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم لشدة قربه ، وعظيم منزلته ، وتلطّف له على إذنه للمنافقين في التخلف ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 43 إلى 45 ] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ ( 43 ) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ( 44 ) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ( 45 ) يقول الحق جل جلاله ، لنبيه - عليه الصلاة والسلام - ؛ ملاطفا له في الكلام : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ، لم بادرت إلى الإذن إلى المنافقين في التخلف ، واستكفيت بالإذن العام في قولنا : فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ « 1 » ، فإن الخواص من المقربين لا يكتفون بالإذن العام ، بل يتوقفون إلى الإذن الخاص . ولذلك عوتب يونس عليه السّلام . والمعنى : لأي شئ أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتذروا لك بأكاذيب ؟ وهلا توقفت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في الاعتذار ، وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ فيه . قال ابن عطية : قوله : الَّذِينَ صَدَقُوا يريد : في استئذانك ، وأنك لو لم تأذن لهم لخرجوا معك ، وقوله : وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ يريد : أنهم استأذنوك يظهرون لك أنهم يقفون عند حدّك ، وهم كذبة ، قد عزموا على
--> ( 1 ) من الآية 62 من سورة النور .